عمر بن أحمد بن أبي جرادة
564
زبدة الحلب من تاريخ حلب
وحضرني حكاية جرت لشيخ الشيوخ مع « محيي الدّين » ، في هذه السّفرة ، وذلك أن شيخ الشيوخ كان قد وصل إلى السّلطان « الملك النّاصر » ، وهو محاصر للموصل ، ليصلح بينه وبين عزّ الدّين ، في المحاصرة الأولى ، فلم يتّفق الصلح ، واتّهم أهل الموصل شيخ الشّيوخ بالميل مع « الملك النّاصر » ، فعمل محيي الدّين فيه أبياتا منها : بعثت رسولا أم بعثت محرّضا * على القتل تستجلي القتال وتستحلي ؟ وقال فيها مخاطبا للإمام النّاصر : فلا تغترر منه بفضل تنمّس * فما هكذا كان « الجنيد » ولا « الشّبلي » « 1 » فبلغت الأبيات شيخ الشيوخ . فلما اجتمعا في هذه السفرة وتباسطا ، قال له شيخ الشيوخ : « كيف تلك الأبيات التي عملتها فيّ ؟ » فغالطه عنها ، فأقسم عليه باللّه أن ينشده إيّاها ، فذكرها له ، حتى أنشده البيت الذي ذكرناه أوّلا ، فقال : « واللّه لقد ظلمتني ، وانني واللّه ، اجتهدت في الاصلاح فما اتّفق » فأنشده تمامها ، حتى بلغ إلى قوله : « فما هكذا كان الجنيد ولا الشّبلي » فقال : « واللّه لقد صدقت ، فما هكذا كان الجنيد ولا الشّبلي ، أدور على أبواب الملوك من باب هذا إلى باب هذا » . ثمّ إنّ الرّسل ساروا عن غير زبدة ، وتوجّه الملك العادل من حلب في ذي الحجّة ، وعيّد عند أخيه بدمشق ، ثم عاد إلى حلب .
--> ( 1 ) - من أشهر أئمة الصوفية .